ابن بسام
18
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
العظمى قرطبة ، وأخبر المحدث أنه رأى في فرش مجلسه مطارح من صلب الفنك الرفيع مطرّزة كما تدور بسقلاطوني بغداذي ، وأنه كان يقابل ذلك المجلس شكل ناعورة [ 1 ] مصوغة من خالص اللجين من أغرب [ 2 ] صنعة ، يحركها ماء جدول يخترق الدار أبدع حركة ، إلى أشياء تطابق هذا السّرو : من جودة الآلة والآنية والمائدة وجمال الخدم ورقة الأسمعة [ 3 ] وفخامة الهيئة ما لا شيء فوقها . وكان لمبارك ومظفر جملة [ 4 ] ذلك النعيم ، وفازا بقبض [ 5 ] الخراج ، ولم يرضهما عارض إنفاق بتلك الآفاق ، فانغمسا في النعيم إلى قمم رءوسهما [ 4 أ ] وأخلدا إلى الدّعة وسارعا في قضاء اللذة ، حتى أربيا على من تقدم وتأخر ؛ حدثني من رأى ركوب هذين العبدين الزلمتين [ 6 ] في بعض أيام الجمع للمسجد الجامع ببلنسية بما أنسى مركب المظفر عبد الملك ابن [ أبي ] عامر مولاهما المتبنك [ 7 ] - كان - للنعماء ، الوارث لحجابة الخلافة ، في فخر / لباسهما ووفور عدد أصحابهما وحسن خدمتهم لهما ، وأن كلّا منهما كان يظاهر الوشي على الخزّ ، ويستشعر الدبيقيّ ، ويتقلّس [ 8 ] الوشي ، ويعتطف القسيّ . قال ابن حيان ، قال لي المحدث : وكنت أعرفهما عبدي غيّة [ 9 ] لمولاهما مفرّج العامريّ ، فكانا حظّي من الاعتبار بالدنيا ، إذ كانا على استخدامهما لها من الجهل والأفن واللكنة ، من حجج اللّه تعالى في القسم البالغة الدالّة على هوانها عنده ، إذ أنالهما منها بحبوحة أضحت أبصار [ 10 ] [ أولي ] النّهي نحوها شاخصة ، وقلوبهم مسلّمة لمن له الحول والقوة ، وهما عن الاعتبار عنها بمنجاة من مندوحة الجهالة ، يحسبان أنهما نالا ذلك بالاستحقاق ، وأن لهما على الأيام دركا ، يحثان على ذلك سوق الرعية المضطهدة [ 11 ]
--> [ 1 ] م : نعورة ؛ س : عوذة . [ 2 ] م : بأغرب ( وقبلها بياض ) . [ 3 ] الأسمعة : مجالس الغناء . [ 4 ] د ط س والبيان : جنة . [ 5 ] د ط س والبيان : بعنصر . [ 6 ] س : الزنمتين ؛ وكلاهما صواب ، أي باللام والنون . [ 7 ] المتبنك : المتمكن من النعمة . [ 8 ] يتقلس : يتخذ قلنسوة ؛ م : ويتقلنس ( وكلتاهما صواب ) . [ 9 ] م والبيان : مهنة . [ 10 ] م : أنفس . [ 11 ] م : المضطرة .